شهد لبنان في أواخر القرن التاسع عشر تطوراً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وعمرانياً مميّزاً، انعكس على حياة الكنيسة المارونية وحضورها ونشاطها ومؤسساتها ورهبانيتها وحركاتها ورعاياها، فتميّز أبناؤها بالايمان الحقيقي والتقوى والوعي والانفتاح والعلم والعمران والتقدّم.
وكان البطريرك يوحنا الحاج (1890 – 1898)، ابن دلبتا، رجل الفضيلة والحكمة والغيرة والعلم والقانون، يحمل أيضاً فكراً إصلاحياً، ورؤية راعوية مستنيرة، وإرادة لتحقيق التجديد البيعي. عهده الذي كان خاتمة القرن التاسع عشر تميّز بشمول حركة التجديد الكنيسة المارونية في جميع مواقعها اي لبنان وسوريا والقدس ومصر وروما وباريس وصولاً الى عالم الاغتراب، وحركاتها ومؤسساتها الرهبانية والراعوية والثقافية والاجتماعية.
كما كان قد بدأ بطريركيته بتجديد وبناء دير بكركي، ليكون قادرً على استيعاب الدوائر التي كانت ستعمل من أجل إجراء الاصلاح وتفعيله في إطار العمل المشترك والتعاون والتنظيم زالتدبير والتحديث والانفتاح.
أخيراً كان للبطريرك الحاج رغبةً في تجديد الحياة الرهبانية وانتشارها. وطلب الى الرهبنات المارونية الحلبية والبلدية والأنطونية إنشاء ثلاثة أديار لها في كسروان. تعميماً للخير ولازدهار الحياة الروحيّة والثقافية والاجتماعية فاستجيب طلبه. وكان دير مار يوحنا – عجلتون ابن هذا المشروع البطريركي.
لبّت الرهبنة الأنطونية المارونية نداء البطريرك يوحنا الحاج بفرح. وحقّقت حلم الرئيس العام الأباتي سمعان كسّاب من بلّونه – كسروان، رجل الله والمحبّة والتواضع والسلام. الراهب الحكيم والعمراني الذي ظلّ رئيساً عاماً من سنة 1877 الى 1901 أي حوالي ربع قرن، والذي كان يحلم في بناء دير للرهبنة الانطونية في كسروان منطقته.
صحيح ان هذا الدير كان نتيجة نداء البطريرك ورغبة الأب العام، الا انه في العمق كان استجابة لحركة النهضة الأنطونية الكبيرة التي انطلقت من مدرسة مار أشعيا سنة 1889 في عهد الأباتي سمعان بلوني وإدارة الأباتي عمانوئيل البعبداتي الذي خلف كسّاب في الرئاسة العامة وظلّ في خدمتها من 1901 الى 1913. هذه المدرسة التي أعطت الرهبنة الأنطونية حوالي مائة كاهن وأرست النهضة، وعزّزت الحياة الهربانية والحياة الديرية وأنشأت المدارس في كل الأديار تقريباً مذكّرين بأبرز علامات هذه النهضة هي إنشاء مدرسة مار يوسف في بعبدا، ومجلة "كوكب البريّة"، أول مجلة تصدرها رهبنة مشرقية. والمطبعة الأنطونية في جير مار أنطونيوس – بعبدا والوكالة انطونية في المدينة الخالدة روما، وغيرها من الأحداث البارزة التي لا نستطيع
وهب الرجل الصالح، العابد الورع، يوحنّا طنّوس ..... كسّاب وزوجته منّة أبو كحلا المرأة البارزة والتقية والمتجرّدة، وكلاهما من عجلتون ثلاثة قطع أرض في عجلتون الى الرهبنة الأنطونية بواسطة نسيبهما الأباتي سمعان كسّاب من بلّوني الذي كان رئيساً عاماً آنذاك، من أجل تشييد دير على اسم مار يوحنا المعمدان من أجل الخير العام، وتخليداً لذكراهما، وفعل محبّة للرب يسوع المسيح وكنيسته.
قبل الب العام الهبة، ووقّع الصكوك والمعاملات. وأمر بأن تقدّم عنهما القداسات مدى الحياة وبعد موتهما كما قبل بكل الشروط المدوّنة في الصكوك ولاسيّما استثمار غلّة العودة مدى الحياة من أجل معيشتهما.
بما ان الواهبين حنّا كساب وزوجته منّه لم يرزقا البنين. ومنهما من روى عن منّة وزوجها انهما قد عاشا حياة زوجية طاهرة وبدون علاقات. وتيمّناً بشفيعه يوحنا، وعلى غرار زكريا وأليصابات اللذين رزقا ولداً وهما طاعنين في السن. أحبّا ان يقدّما للرب أرضاً واسعة للرهبنة الأنطونية لكي تشيّد عليها ديراً على اسم يوحنّا المعمدان يخلّدان بواسطته ذكراهما مدى الحياة. ويعتبران هذه الهبة، هبة من الله، فتشييد دير قرب منزلهما يساعدهما على عيش التقوى والمحبة والايمان.
كانا يقضيان القسم الأكبر من وقتهما في كنيسة الدير يشاركان الرهبان في الصلاة الخورسية، ويسمعان الذبيحة الالهية كل صباح، ويتناولان جسد الربّ مدى الحياة. حنّا مات سنة 193 ودفن في مدافن الرهبان ومنّة سنة 194 ودفنت بالقرب من كنيسة الدير.
ان المداولات بين الرئيس العام الأباتي كسّاب والواهبين أخذت مداها طوال سنوات. في هذه الأثناء كان الرئيس العام يوفّر المال الضروري لتحقيق المشروع.
ما ان تمّ العقد حتى قام المهندسون بالدراسات ووضع التصاميم.
بدأ مشروع البناء في أواخر سنة 1896 على أيدي معلّمين ماهرين من عجلتون والمنطقة بالتعاون مع العمال من المنطقة ذاتها. وفي سنة 1897 أنجز بناء الدير على شكله الحالي.
وفي سنة 1898 انجز بناء الكنيسة التي كرّسها راعي أبرشية دمشق المطران......
واحتفل الأباتي كسّاب بأول قداس فيها يوم عيد مولد مار يوحنا المعمدان شفيع الدير.
أما إكمال الجناح الموازي للكنيسة أي المدخل والصالون والمطبخ وتوابعه فلم يتحقّق منذ ذاك التاريخ حتى اليوم رغم ضرورته.
باختصار تمّ تشييد هذا الدير بناء لنداء كنسي بطريركي. واستجابة لحركة النهضة الأنطونية الكبيرة التي انطلقت من مدرسة مار أشعيا سنة 1889 في عهد الأباتي سمعان كسّاب ومساعدة خلفه الأباتي عمانوئيل عبيد البعبداتي ونخبة من الرهبان الصالحين والمستنيرين.
فالأباتي سمعان كسّاب وفّر المال الكافي للبناء والتجهيز، وأنسباؤه في عجلتون وفّرا الأرض الواسعة للبناء ولمعيشة الدير. زهكذا تمّ إدخال الرهبنة الأنطونية الى قلب كسروان بعد قرنين من وجودها من خلال أجمل دير من أديار الرهبة لابل من أجمل أديار كسروان هندسة وموقعاً وبناءً وتجهيزاً.
عاش الرهبان في هذا الدير الجميل، ذات الموقع الساحر والبناء الرائع، حياة الصلاة والتأمل والقراءة الربّانية والنسك والزهد والحياة المشتركة والعمل اليدوي والبشارة والشهادة الانجيلية الحقيقية ومحبّة الآخرين لا سيما الفقراء والمحتاجين والمعذّبين.
ان عيش الشراكة المسيحية بفرح وايمان في قلب الكنيسة، والانفتاح على الآخرين ومحبّتهم والتعاون معهم، هي صفات أساسية في حياة الرهبنة الأنطونية. لأنها رهبنة المحبة والانفتاح والأمانة للانجيل والكنيسة والخادمة بتواضع وطاعة ورحمة.
فتح الرهبان عبر السنين وباستمرار ديرهم للاستقبال والضيافة والرياضيات الروحية والخدمات الاجتماعية واللقاءات الثقافية. كل راهب من جمهور الدير عاش حياة الاخوة والشراكة والانسجام بحب مواهبه. فتألقت المواهب في خدمة الجماعة والرهبنة والكنيسة والشعب. لذلك كان للدير خضوره الغني وأدواره المتنوعة والمميّزة مجلياً بتقوى الرهبان وتواضعهم وعيشهم الأخوي المحبّ وخدمتهم الفرحة في قلب المنطقة.
كان ديراً زراعياً جبلياً بامتياز. بحيث كانت غالبية أملاكه مستعملة ومستصلحة ومزروعة تؤمن معيشة رهبانه وخدماته الاجتماعية ومعيشة عائلات كثيرة تعمل مع الرهبان. أما أحراج الدير فكانت تستعمل مراعٍ لرعيان جرود كسروان.
منذ البدايات ساعد الرهبان في خدمة رعية عجلتون والرعايا المجاورة. وكان حضورهم الدائم منشطاً لهذه الرعايا من خلال خدمة الأسرار والكلمة. كما خدموا بعض المدارس في المنطقة والمؤسسات الرهبانية بالتعليم والارشاد الروخي وخدمة الأسرار.
كان الدير مرتبطاً بدير مار جرجس عوكر. وغالباً موحداً معه إدارة وجماعة وحياة. بحيث كان الرهبان يعيشون شتاء في دير مار جرجس عوكر، وصيفاً في دير مار يوحنا عجلتون.
وبعد ما مّ تشييد دير مار جرجس عوكر الجديد للرهبان العجزة كان هؤلاء الرهبان يقضون أشهر الصيف في دير مار يوحنا.